المحقق البحراني
18
الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية
أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ؟ فقال : مه يا شيخ ، فإن الله قد عظم أجوركم في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من أموركم مكرهين ولا إليه مضطرّين ، لعلَّك ظننت أنه قضاء حتم وقدر لازم ، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ولسقط الوعد والوعيد ، ولما ألزمت الأشياء أهلها على الحقائق ، ذلك مقالة عبدة الأوثان وأولياء الشيطان . إن الله عزّ وجلّ أمر تخييرا ، ونهى تحذيرا ، ولم يطع مكرها ، ولم يعص مغلوبا ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، * ( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) * ( 1 ) . فقام الشيخ فقبل رأس أمير المؤمنين عليه السّلام وأنشأ يقول : أنت الإمام الذي نرجو بطاعته يوم النجاة من الرحمن غفرانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربّك عنا فيه رضوانا فليس معذرة في فعل فاحشة عندي لراكبها ظلما وعصيانا فقد دلّ قول أمير المؤمنين عليه السّلام على موافقة الكتاب ونفي الجبر والتفويض اللذين يلزمان من دان بهما وتقلَّدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتاب ، ونعوذ بالله من الضلالة والكفر . ولسنا ندين بجبر ولا تفويض لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين ، وهو الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي ملَّكنا الله وتعبّدنا بهما على ما شهد به الكتاب ودان به الأئمّة الأبرار من آل الرسول ، صلوات الله عليهم . ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا وملك مالا كثيرا أحب أن يختبر عبده على علم منه بما يؤول إليه ، فملَّكه من ماله بعض ما أحب ، وأوقفه على أمور عرّفها العبد فأمره أن يصرف ذلك المال فيها ، ونهاه عن أشياء لم يحبّها ، وتقدم إليه أن يجتنبها
--> ( 1 ) ص : 27 .